|
المتشائمون يبثون
المشاعر السلبية ويثبطون العزائم
هل الإحباط عدوى؟ وهل من حق من كان
خياره الاستسلام لظروفه أن ينشر هذه المشاعر السلبية في الجو، كفيروسات،
ليصبح الجميع أعضاء في ناديه المظلم؟
وتكمن المشكلة، حسب أفراد عانوا من
هذه السلوكيات ومختصين، في أن ضحايا هذا النوع من البشر هم من العصاميين
والناجحين أو الذين يسعون للنجاح رغم كل المحبطات.
يصنف عبدالرحمن أيوب، وهو يملك
ويدير أحد المحال المتخصصة بالتمديدات الصحية، نفسه كإنسان عصامي تجاوز
ظروف الفقر والبطالة ليؤسس مشروعه الخاص خطوة بخطوة معتمداً في ذلك على
جهده وذكائه وعمله.

ويقول هذا الشاب إن عودته إلى
مجتمعه القديم "الناقم على ظروف الحياة الصعبة" يؤثر عليه سلباً وعلى نظرته
المتفائلة للدنيا.
ويشرح "عندما أسمع تذمر أشقائي
وسخطهم على الظروف الحياتية الصعبة شأنهم شأن عدد من أبناء جيلي من الأقارب
أو الأصدقاء سكان الحي، أشعر بالاستياء".
ورغم أن عزيمة أيوب أقوى من أن يصل
إلى الإحباط على حد قوله إلا أنه لا ينكر ما يتسبب به الأفراد المحبطون من
تأثير سلبي يجعله غير قادر على التعامل معهم، وغير راغب بالاجتماع بهم.
ولأيوب تفسيره للظاهرة. يربط هذا
التاجر الذي أنهى مؤخراً العقد الثالث من عمره الإحباط بنمط الحياة السريعة
وضعف العلاقات الاجتماعية، مقابل تزايد الاهتمام بالقيم المادية، إضافة إلى
الظروف الاقتصادية والاجتماعية السئية. ويقول "الاحباط صفة ملازمة للأشخاص
الذين يعيشون في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة"، وتندرج حالات الفقر
والبطالة والتفكك الأسري وضعف العلاقات الاجتماعية، حتى بين الأغنياء، ضمن
الظروف الدافعة للإحباط.
وتبدي الموظفة في إحدى الدوائر
الحكومية، رندة شريف، استياءها من جو المكتب الذي يشاركها فيه خمسة زملاء
يجمعهم الإحباط كقاسم مشترك يتفاوت في شدته، حسب تعبيرها.
ويظهر استياء الشابة العشرينية
واضحاً من خلال حديثها معتبرة أن بعض الشخصيات سلبية ومستسلمة بطبيعتها،
وتتابع "معظم الاشخاص السلبيين يلقون باللوم على الظروف السيئة ولا يمتلكون
أي رغبة بالتغيير مما يجعل منهم فريسة سهلة لسيطرة الاحباط".
ويجد بعض الخبراء في علوم حديثة
كعلم البرمجة اللغوية العصبية أن الإحباط كالعدوى التي تنتقل بفعل الذبذبات
السيئة، إذ قد يتسبب التعامل المباشر مع الشخص المحبط بانتقال الشعور للطرف
المقابل أو حتى التأثير عليه سلبياً.
ويأتي حديث الطالبة الجامعية، ريما،
التي تجمع بين الدراسة المسائية لتخصص التسويق والعمل الصباحي في أحد
المولات، منتقداً الاستسلام للظروف الصعبة والذي تجده منتشراً بين كثير من
الخريجين الجدد نتيجة البطالة وعدم توفر فرص عمل.
وتجد ريما أن الاستسلام والتعامل
السلبي مع الأحداث يشكل الخطوة الأولى على طريق الفشل وتستند في حديثها إلى
الآية الكريمة "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
ويندرج مفهوم الإحباط، حسب تعريف
الخبراء، ضمن إدراك الفرد لعائق يحول دون إشباع حاجاته أو توقع الفرد حدوث
هذا العائق فى المستقبل، ويتسبب الاحباط بمجموعة مشاعر مؤلمة مثل: التوتر،
القلق، الشعور بالذنب، الشعور بالدونية وتزداد مع الاحباط حالات الغضب لدى
الفرد مما يدفع به احيانا إلى فقدان السيطرة على أعصابه وعلى سلوكه العام،
وتأتي هذه المشاعر نتيجة عجز الانسان عن تحقيق هدف ضروري لإشباع حاجة ملحة
عنده.
يقول الاستشاري النفسي د. محمد
الحباشنة موضحاً المصطلح أن الإحباط يسقط المعنى الطبي بخروجه من التصنيف
المرضي واندراجه ضمن المشاعر، مركزاً على أن الإحباط لا يكافئ الاكتئاب
لكنه قد يكون جزءا من حالة الاكتئاب.
ويشير إلى أن الإحباط كمصطلح قد
يعكس حالة خيبة الامل وغالباً ما يأتي نتيجة عدم التوفيق في عمل أو علاقة
وفي أحيان كثيرة نتيجة التفاجؤ بطبيعة الناس وسير الأحداث على خلاف المتوقع.
ويبين الحباشنة أن الإحباط يختلف
عن الاكتئاب من حيث المسبب، وفي حين يأتي الإحباط نتيجة ظروف سيئة ويكون
مؤقتا في الغالب يحصل الاكتئاب أحيانا من دون مسبب.
كما يجد ان طريقة التفكير السلبية
والتفكير غير المنطقي يقود إلى الاحباط، ويرجع كثرة استخدام الأفراد لهذا
المصطلح تعبيراً عن درجات الاستياء التي يعانون منها إلى الهروب من تسمية
الاكتئاب باستخدام مصطلح الاحباط، كونه يخفف من كلمة الاكتئاب التي تصنف
كحالة مرضية مبينا أن كثيرا من الناس يعانون من الاكتئاب ويعتمدون توصيف
حالتهم بالاحباط.
وللخروج من حالة الإحباط ينصح
الحباشنة بطرح المشكلة ووضع الحلول والبدائل لها، ويرى أن التعبير عن
الظروف السيئة التي يواجهها الفرد مع صديق أو أحد افراد العائلة المقربين
قد يساهم في التخفيف من الحالة.
كما يوصي بعدم الاستسلام للمشاعر
السيئة، واتباع نمط حياة سليم ومنظم مع الأخذ بعين الاعتبار ملء وقت الفراغ
بشكل ممتع ومحاولة التخفيف من الواجبات الاجتماعية الملزمة خصوصاً إذا لم
تتناسب مع البرنامج الزمني والوقت الخاص.
ويصنف ممارسة الهوايات والاسترخاء
والتنفس العميق ضمن العوامل المساعدة للخروج من حالات الاحباط.
من جانبها تجد مدربة البرمجة
اللغوية العصبية رحمة ابو محفوظ أن الإنسان الذكي هو الذي يحول الخسائر إلى
أرباح، والجاهل هو الذي يجعل مصيبته مصيبتين.
وتبين أبو محفوظ أن بمقدور الانسان
النظر دائماً إلى الجانب المضيء حتى فيما يحصل له من أمور قد يعتبرها للمرة
الأولى سيئة ولتجاوز مراحل الإحباط الناتجة عن مشكلات تنصح أبو محفوظ
بالابتعاد عن التفكير بالمشكلة كمشكلة بقدر التوجه إلى البحث عن حلول لها.
وتنصح في حالات الاحباط بالخروج من
دائرة مسبب المشكلة والبحث عن حل لها ومن ثم وضع الخطط وصولاً الى التنفيذ
ودراسة النتائج.
وفي حين تجد ان الفراغ قد يزيد من
التفكير في المشكلة تنصح بالتوجه نحو نشاطات جانبية وممارسة هوايات او حتى
التطوع بأعمال خيرية.
ولا يعني وجود محبطين حول الإنسان
أن يلغي علاقاته الاجتماعية، كما يقول الخبراء، بل عليه أن يحاول إحداث
تأثير معاكس بحيث يزرع الأمل في نفوس الأقل حظا وتفاؤلا منه.
|