كيف تتعلم تقييم ذاتك إيجابياً

يرجع الرجل الخمسيني أبو يزيد أي خطأ طبيعي في حياة أبنائه إلى نفسه مدعياً إخفاقه في تحقيق التربية الصحيحة لأبنائه الشباب، رغم ما أثبته أبناؤه من نجاح أكاديمي ونجاح عملي، بشهادة المجتمع المحيط الذي ينظر لأبناء أبو يزيد كمثال ونموذج للشباب الناجح.

وتثير ادعاءات أبو يزيد غضب كثيرين لا سيما عند عقد مقارنة بين أبنائه وكثير من شباب جيلهم في المجتمع المحيط.

من جانبه يبرر أبنه الأكبر المهندس يزيد ردود فعل والده على أي خطأ رغم ما حققه وأخوانه من نجاح بأسباب ذات صلة بشخصية والده وسعيه للمثالية مما يجعله يتجاهل جميع الايجابيات ليراها صغيرة ويتعلق بالسلبية ويراها كبيرة.

أما الشابة العشرينية ماري فتعاني من سوء تقييم الذات وتنظر لنفسها دائماً كإنسانة لم تتمكن من تحقيق النجاح رغم أنها تتابع دراستها للحصول على شهادة الماجستير في التجارة الدولية، وتقييمها في دراستها إلى جانب عملها في نفس المجال مميز كما إتقانها لغتين إلى جانب اللغة الأم.

ويأتي تبريرها لتقييمها السلبي لذاتها مرتبطا بفشلها في بعض التجارب التي لم تتمكن لغاية الآن من تجاوزها، مشيرة إلى أنها لا تستطيع أن تغفر لنفسها إخفاقاتها.

من جانبه يربط الاستشاري النفسي د. محمد الحباشنة تقييم الذات بثلاثة مصطلحات مهمة تبدأ من الوعي للذات وما يندرج ضمن هذا المفهوم مما يقوم به الفرد من أعمال أو نشاطات ومدى مناسبتها لذاته، والمصطلح الثاني يعنى بقيمة الذات وشعور الفرد بأنه يستحق الاحترام من الآخرين.

ويهتم المصطلح الثالث بالثقة بالنفس وهو إحساس داخلي يعكسه الفرد ويكون انطباعات عند الآخرين. وتوصل المصطلحات الثلاثة مجتمعة "الوعي للذات، قيمة الذات، الثقة بالنفس" الفرد إلى تقييم ذاته.

وتشكل المصطلحات الثلاثة مسببات لانخفاض التقييم الذاتي وتسير في حلقة متكررة يعزز كل عامل منها العامل الآخر بما ينعكس على نواحي الحياة إجمالا وقد تؤدي إلى أمراض نفسية كالقلق والاكتئاب والرهاب النفسي، ويتجه الفرد للنظر إلى ذاته بازدراء، الأمر الذي يقود إلى الانتحار في بعض الحالات.

ويرتبط التقييم السلبي للذات أو انخفاض مستوى تقييم الذات من وجهة نظر الحباشنة بمجموعة عوامل قد تبدأ مع الإنسان من مراحل مبكرة في حياته لا سيما إذا ارتبط بأسلوب التنشئة في الأسرة أو المدرسة، وفي مرحلة لاحقة قد يأتي التقييم السلبي للذات نتيجة تجارب فاشلة وخبرات سلبية.

ومن العوامل المهمة في التقييم السلبي للذات ايضاً افتقاد الفرد لأدوات سليمة تعزز الثقة بالنفس. وترتبط هذه الأدوات بعوامل اجتماعية وثقافية إلى جانب الهوايات والمهارات أو حتى العمل التطوعي. وفي هذا السياق ينوه الحباشنة إلى بعض الأمراض النفسية التي تقلل من ثقة الإنسان بنفسه.

ويؤثر انخفاض تقييم الذات بحسب الحباشنة على أداء الأفراد بشكل كبير ويظهر في حياة الفرد الشخصية والعملية وتهتز الثقة في تعامله مع الآخرين ومع عمله.

ويشبه خبراء علم النفس تقييم الذات بالمصل أو المطعوم الاجتماعي، وتختلف التعريفات حول مفهوم تقييم الذات. وتعرف الخبيرة النفسية الأمير كية تريسي تيرنر تقييم الذات بأنه "تقدير قيمتك وأهميتك وهو ما يساعدك على التعامل بشكل أفضل مع تحديات الحياة".

وفي الوقت الذي يؤكد فيه خبراء التربية على الدور الذي تلعبه عوامل التنشئة المختلفة في تقييم الذات عند الفرد منذ طفولته، حيث يفرق الخبراء بين مرحلة الطفولة في الخمسة أعوام الأولى وهي الأهم بإجماع خبراء علم النفس والتربية كونها تمثل مرحلة بناء الذات.

وتتطلب مرحلة بناء الذات بداية وبشكل أساسي توفير الحب غير المشروط للطفل من أمه بشكل أساسي ومن ثم تربيته على الانتماء إلى أسرته وعائلته وإخوانه، من دون إغفال لفرض الحدود بالتفريق بين الممنوع والمسموح.

وفي حين يمثل الحب انفعالا داخليا يصور الحنان تعبيرا خارجيا عن الحب. ويرتبط الحب والحنان إلى جانب الحزم والحدود الممنوعة والمسموحة عوامل ضرورية لبناء الذات، كما يلعب أسلوب الثواب والعقاب في التربية دورا في تقييم الطفل لذاته إذا استخدم بالشكل الصحيح.

أما مرحلة تقييم الذات عند الطفل تأتي كمرحلة لاحقة لمرحلة بناء الذات، وتبدأ غالباً من المدرسة الابتدائية عندما يختلط الطفل ويحتك بالمحيطين، فيختبر مدى تقبلهم له كإنسان اجتماعي. ومن خلال الاحتكاك المباشر يبدأ بتقييمه لنفسه من ناحية سلوكياته وأثرها على الآخرين ومدى تقبل الآخرين له.

وتجد مدربة البرمجة العصبية اللغوية رحمة أبو محفوظ أن تقييم الذات هو نظرة الإنسان لنفسه والتي تتخذ شكلاً سلبياً أو إيجابياً.

وتبين أن تقييم الإنسان لذاته يكون حصيلة لتجارب وخبرات، وحسب دراسات عالمية يلعب التحدث إلى النفس عن طريق الحوار الذاتي سواء كان مسموعا أو غير مسموع دوراً فعالاً في تقييم الذات وغرس القناعات لافتة إلى أن استخدام الناس للحوار الذاتي لغرس القناعات السلبية أكثر بكثير من استخدامه لغرس القناعات الايجابية.

وفي حين يقدر الفرد نفسه في التقييم السلبي كفاشل مثلاً من خلال حواره الداخلي مع نفسه فيتحول التقدير الناتج عن الحوار الداخلي مع مرور الأيام إلى قناعة. والغريب، كما يقول الخبراء، أن القناعات السلبية تثبت أكثر بكثير من القناعات الايجابية.

وبينما ينتج التقييم السلبي بشكل أساسي عند الأفراد نتيجة تجارب فاشلة ونظرة الآخرين للفرد، إضافة لعوامل التنشئة، تؤكد أبو محفوظ إن العوامل الداخلية المرتبطة بالحوار الداخلي للفرد لها تأثير فعال إذا استخدمت بطريقة ايجابية وقد يكون تأثيرها أكبر من تأثير العوامل الخارجية المرتبطة بنظرة الآخرين ونظرة المجتمع.

وتبين أبو محفوظ مخاطر التقييم السلبي الذاتي كونه يؤثر على متع الحياة ويؤدي إلى التراجع على صعيد الحياة الشخصية والعملية.

وتشير إلى إمكانية التدرب على تقييم الذات بشكل ايجابي يعتمد على الحوار الداخلي في المرحلة الاولى عن طريق "التحدث مع الذات" بطريقة ايجابية ليتحول في مرحلة لاحقة الحديث الذاتي إلى قناعة تنعكس على أداء الفرد في المجتمع ويظهر التطور.

ومن ناحية أخرى ينتج انخفاض تقييم الذات عند بعض الأشخاص ممن يمتلكون قدرات ايجابية ومواصفات شخصية مميزة، بحسب أبو محفوظ، عن قانون من قوانين العقل الباطني وهو قانون التعميم الذي يركز على التجارب الفاشلة ويعممها ويتجاهل حجم التجارب الناجحة مهما كانت، وغالباً ما يحصل ذلك مع الشخصيات الساعية للمثالية.

وفي أحد النصوص لجبران خليل جبران حول معرفة الذات يكشف كيف يمكن للأنسان أن يعكس نظرته السلبية إلى نفسه ويبدلها منطلقاً من النظر إلى الزوايا لايجابية.

ويروي النص قصة سليم أفندي دعيبس "وهو رجل يمكن تصنيف مواصفاته العامة ضمن الإطار السلبي ولكن انطلق هذا الرجل لمعرفة ذاته معتبراً أن رأس الحكمة معرفة الذات"، فانتصب الرجل كالتمثال أمام مرآة كبيرة محدقاً بصورته ومحاولاً اكتشاف ذاته، وقال مخاطباً نفسه:

"أنا قصير القامة وهكذا كان نابليون وفكتور هوغو، أنا ضيق الجبهة وهكذا كان سقراط وسبينوزا، أنا أصلع وهكذا كان شكسبير، أنفي كبير ومنحن إلى جهة واحدة وهكذا كان سفنرولا وفولتر وجورج واشنطن، في عيني سقم وهكذا كان بولس الرسول ونيتشه، فمي غليظ وشفتي السفلى ناتئة وهكذا كان شيشرون ولويس الرابع عشر".